31/ 01 /2023
10:35صباحًا


كم أنا صغير وحقير يا بلدي ويا أهل بلدي أمام هذه العظمة

كم أنا صغير وحقير يا بلدي ويا أهل بلدي أمام هذه العظمة

كتب عمرو سالم:

رغم انقطاع الكهرباء، وأزمة الغاز وارتفاع وقلّة المازوت …

رغم غلاء الأسعار …

رغم الأصوات والأقلام الّتي تلعن الحياة في الشّام …

ورغم الأصوات الّتي تستصغر أهل الشّام، وتضع لهم معايير الوطنيّة أو تتّهمهم بالتّبعيّة والاستسلام …

أنظر في مرآتي، فأكتشف صغري في وسط هذا البلد العظيم الشّامخ المقدام …

كلّ طفلة وطفل كان يذهب إلى مدرسته تحت القصف هو بطلٌ أكبر منّي ومن كلّ ما أظنّه في نفسي من محاسن …

كلّ أمّ وأبٍ ينتظرون عودة أبنائهم وهم لا يعلمون ما إذا كانوا سيعودون، أكبر منّي وأرفع من رأسي …

وكلّ من يحرس ويدافع عن بلدي هو أشرف وأكبر من أهل الأرض ومنّي ومن كلماتي …

كلّ السيّدات اللاتي يفقن في أوّل الصباح ليقمن بواجبي نيابةٌ عنّي في إطعام من لا يجد طعاماً وتدفئة البردان ومعالجة المرضان ومواساة الحزنان …

مليارات الليرات وآلافٌ من النّاس تعمل مثل النّحل والنّمل في سدّ الثّغرات …

كلّ عامل نظافةٍ يسير في الشّوارع ليكنس قاذوراتي وهو لا يعلم متى يسقط عليه صاروخٌ هو بطلٌ أكبر من أبطال الرّوايات …

بعيداً عن جودة أو رداءة معالجة الأزمات وعن المسؤولين والموظّفين وطوابير الغاز وتقنين الكهرباء وتصريحات وتصريحات …

أجد في مرآتي الجواب …

واضحاً جليّاً عليّ أن أفهمه وأفخر به لأنّني ابن الشّام …

هذه الحرب، الّتي شنّت على بلدي، لم تكن لإسقاط نظام، ولا من أجل برابيش نفطٍ أو احتياطات غاز ..

ولا من أجل مخزون سيليكونٍ لا ثرواتٍ طبيعيّةٍ كما يظنّ المحلّلون والمتحلّلون …

بل هذه الحرب هي من أجل بلاد الشّام ….

فعندما أتى الفراعنة قبل آلاف السّنين لغزوها، وتلاهم اليونان والفرس والرومان …

وتبعتهم فرنسا وصهاينة الآفاق …

لم يكن العالم يهتمّ أو يعرف أهميّة النفط والغاز ولا شرائح السيليكون ولا السيليكات …

إنّها المكانة التي قرّر الله أن يمنحها لبلاد الشّام وأهل الشّأم …

في مرآتي،رأيت بأمّ عينيّ 12 عاماً من حياتي وفي عزّ عطائي، سحبت من بين ضلوعي هكذا تماماً …

وكلّ واحدٍ من أهل بلدي، سرق منه ثمانية سنوات … وبعضهم سرق منه كلّ عمره أو جنى عمره أو رأى مصنعه وهو يحترق ويهدم ويسرق …

نعم يا إخوتي، إن لم تكن الحكومة قادرةٌ على شرح حقيقة ما نعيشه اليوم، أو إن لم تكن عالمة بحقيقته. فعلينا أن نعلم حقيقته تماماً …

كلّ أزمةٍ أو كارثةٍ عشناها خلال تلك السّنوات، أو نعيشها اليوم ليست حرباً بالوكالة ….

فكما سمّى الرومان سوريّة بجوهرة التّأج …. ما زال العالم كلّه يعلم علم اليقين أنّ بلدكم يا إخوتي وأنّكم أنتم وأبناؤكم ما زلتم وستبقون جوهرة التّاج …

ما نراه اليوم ونعيشه من أزمة خانقةٍ هي تحديداً وبدقّة ما يلي:

بعد قدم معاهدة سايكس بيكو التي تقاسمت فيها الدّول العظمى منطقتنا قبل مئة عام، تغيّرت موازين القوّة بين تلك الدّول، وباتوا يريدون تقاسماً جديداً بناءٌ على ميزان قواهم الحاليّة …

هناك ثلاثة محاور متعلّقة بسوريّة، يحاول كلّ منها أن يجعل سوريّة عموده الفقري، لأنّه لا يمكن أن يوجد إلّا بسوريّة …

بعض الدّول موجودة في أكثر من محور من باب الاحتياط …

ولأنّهم خبروا أن سوريّة وأهلها ليسوا أذناباً، فقد قرر أصحاب تلك المحاور الضّغط علينا بالوقود والمضاربات بليرة وخلق الأزمات المعيشيّة …

وهم لهم ما يسمّونه برجال أعمال وعملاء في الدّاخل والخارج، ينفّذون عالمين أو جاهلين تلك الضغوط والأزمات …

وذلك لكي نقبل أن نكون تحت وصاية هذا المحور أو ذاك، ونقبل بتقسيم بلدنا وغيره من سياسات …

ولكّنّني أقسم بالله (عالماً وليس مخمّناً) وواثقاً بكرم الله …

أنّ عمر هذه الضّائقة قصير لأنّ تلك المحاور والتّحالفات لا يمكنها أن تكون بلا سوريّة …
وسيقبل أحدهم صاغراً مرغماً بشروط سوريّة وتنفرج الأزمات وتتدفّق الاستثمارات …

وهذا بفضل الله أوّلاً وبإيمانكم أيّها العظماء الأبطال الّذين صمدتم وصبرتم صموداً وصبراً لا يعرفه لا الألمان ولا اليابان ….

كم أنا صغير وحقير يا بلدي ويا أهل بلدي أمام هذه العظمة وكم هو صغيرٌ كلّ من لا يراها …

وإذا كانت السّنين المنهوبة من عمرنا لا تعود، فستعوّض وبطيب خاطر …

والفرج قادم لا محال …

عمرو سالم: تزول الدّنيا قبل أن تزول الشّام …
الحقيقة

طباعة طباعة

مواضيع متعلقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

آخر الأخبار

فيس بوك