21/ 09 /2019
7:35صباحًا


راقص مع الذئاب.. نبيل صالح: سلامنا لم يكن يوماً سوى هدنة بين حربين.. ولم أطالب بإلغاء التربية الدينية

راقص مع الذئاب.. نبيل صالح: سلامنا لم يكن يوماً سوى هدنة بين حربين.. ولم أطالب بإلغاء التربية الدينية

الحقيقة

كتب الناقد والأديب عضو مجلس الشعب نبيل صالح:

“راقص مع الذئاب” هكذا يمكن أن أضع عنوانا لحياتي القلقة ومعاركي اليومية، منذ أيام حكومة الزعبي وصولا إلى مجلس الشعب اليوم، ولم أفهم لماذا لم يتم افتراسي؟ هل لأنهم لم يستطيعوا أم لعدم رغبتهم بالأمر ؟ لا أدري .. فطوال عقود ثلاثة كنت فيها “ضد الجميع بالتساوي” سلطة ومعارضة، وانتزعت حقوق الكثير من الناس من فم الذئاب، حتى صرت أتساءل: لو لم أكن أكثر شرا منهم لما تغلبت عليهم.. غير أن المرحوم المؤرخ الأب جوزف حجار قال لي مرة عندما بحت له بمسألتي الوجودية هذه : بل لأن الله في قلبك فإنك تنتصر عليهم..

وقال صالح: أوضح للناس موقفي الديني بعد قيام العديد من أعدائي بإتهامي بمعاداة الدين الإسلامي (على طريقة الإسرائيليين باتهام مخالفيهم باللاسامية):

ولدت في بيت ينتمي إلى الطريقة العلوية في الإسلام، وهي مثل غيرها من الطرق الصوفية التي تنتمي إلى الإمام علي وتعتبره معلما لها، كالنقشبندية والقادرية والرفاعية وغيرها، غير أن العثمانيين حاربوها طوال أربعة قرون دون غيرها من الطرق الصوفية وكانوا يخوزقون كل منتسب إليها، فهاجر أتباعها إلى الجبال على دفعات من حلب ودمشق ومصر والعراق وعاشوا في المنفى حتى زوال دولة العثمانيين التي تحاربنا بقايا شراذمها اليوم ..

كان والدي بعثيا متدينا بسبب نشأته في حض أخواله آل الشيخ عيد صالح بعد وفاة والدته وهو طفل صغير، بينما كان والده أحمد وجده رسلان يحاربان الفرنسيين في صفوف الشيخ صالح العلي .. قضيت أغلب طفولتي ومراهقتي في الجبال وأنا أبحث عن ربي في الكتب وعند أهل العلوم الدينية، وكنت أميل إلى التصوف بعد قراءتي لكتب ورسائل كبار المتصوفين والإستماع إلى شروحاتها متعددة المستويات، بل وكتبت نصوصا صوفية أجازني عليها نخبة من النقاد العرب أواخر الثمانينات باعتبارها نصوصا أدبية.. في الجامعة ارتحلت مع الفلسفة اليونانية فالألمانية حتى وصلت إلى أقاصي الفلسفة الوجودية عند كامو وسارتر، ولكن إيماني بالله لم يتزعزع وإنما ملت إلى الشك في الروايات الدينية والمذاهب الفقهية المتخالفة مع بعضها، ثم أنقذني سبينوزا من ارتياب نيتشة في كتابه العظيم “رسالة في اللاهوت والسياسة” الذي يرى أن الإيمان والفلسفة منفصلان، وأن العقل ليس خادماً للاهوت، وأن غاية الفلسفة هي الحقيقة، وغاية الإيمان هي الطاعة والتقوى ..ومن يومها رأيت أن الإيمان أرفع منزلة من التدين حيث كل مؤمن يشق دربه الخاص نحو الله ليلتقي هناك مع مؤمني الأديان والطوائف الأخرى.. قال لي قريبي المرحوم الشيخ عبداللطيف عيد صالح يوما: يابني: اعلم أن روح المؤمن تحل في كل الملل والنحل، فلا تتخذ موقفا من دين أحد لعله يكون مثلك أو خيرا منك.. وبعدما واجهت موتي على يد بعض أقاربي صيف عام 1986 فهمت مغزى هذه الجملة ورأيت أن أقربائي الروحيين قد أجدهم بين طوائف ومذاهب أخرى، وبت أرى أن أخيار القوم الآخرين أقرب لي من أشرار قومي، وكان ذلك بابا جديدا في حياتي ساعدني على التماهي مع الآخر ومن ثم الزواج بامرأة من غير طائفتي شاركتني في صناعة أبناء ينتمون إلى طائفتين متخالفتين تاريخيا مع أنهما غير مختلفتين في العقيدة والإيمان .. وكلما ارتقيت روحيا كنت أتحرر أكثر من الشكل المدرسي للدين لأقترب من المعنى، وقد ساعدتني مخطوطات التصوف العلوية على تقديم العقل على النقل إذ تشتمل مقدماتها غالبا على الحديث عن العقل عند أرسطو،حيث الخالق هو العقل الكلي الذي تتصل به عقول البشر الجزئية، وبالتالي وجدت أن العقل هو رسول الله الدائم بين البشر، وهذا لايتعارض مع قول سيدنا محمد “لانبي بعدي” ولم يقل “رسول” ..

قضيت سنوات طويلة في دراسة النصوص المقدسة واستخدمت منهج الألسنيات وفقه اللغة لأكشف عن باطنها، وقادني ذلك إلى التعمق في فلسفة وحدة الوجود وأسرار الكلمة، ووجدت في التفكر والعمل عبادة أعلى درجة من التدين المدرسي الذي يكرر فيه العامة محفوظاتهم باعتبارها صلاة، ورأيت أن للصلوات طرقا متعددة آخرها الكلام وأولها العمل، وأن الصيام يكون عن قول الشر أو اقترافه وليس مجرد ممارسة الجوع في طقوس احتفالية نعود بعدها إلى سابق جهلنا، وقد أفدت كثيرا من نصوص القرآن والمتصوفة في أسلوب كتابتي الأدبية، ولايمكنني إلا أن أحترم المنتج البشري للدين ولكن هذا لايفرض علي استهلاكه على طريقة “هكذا وجدنا آباءنا”.. إذ أن المحافظين في المجتمع مازالو يعطلون الإجتهاد بحيث لم ينشأ عندنا حركات إصلاح ديني بعد، وحورب المجتهدون في الدين وخارج الدين في بلادنا، ومن الطبيعي أن يهاجمني المتزمتون بل وأتوقع ذلك وأريده على مبدأ “أنا أحارب إذا أنا موجود” .. فمسألة الدين وحسن استثماره بشكل صحيح أمر يهم الجميع..

ختاما أرى في الشيفرة السورية شيفرة متدينة عبر العصور، ساهم بتشكيلها كل غزاة الأمم التي تعاقبت على حكم بلادنا، وأن سلامنا لم يكن يوما سوى هدنة بين حربين، لهذا فإن المحاربين هم من يشكلون مظلة حياتنا المدنية، لأن حياتنا عبارة عن مجموعة توازنات يصنعها مقاتلوا جيشنا وجيوش الأعداء، ونحن الراقصون أبدا على الصراط المستقيم ومن تحتنا قطعان الذئاب فاغرة أشداق الموت في كل حين، وهذا مايجعل من حياة السوريين دراما مسرحية مليئة بالعويل والدموع مع فواصل من المرح لمقاتل يرغب بمتعة لحظته الأخيرة قبل الإستشهاد..

تنويه: لم أدع أبدا إلى إلغاء مادة التربية الدينية، وإنما هي تزوير نشرته محطة العربية وموقع “عنب بلدي” و “زمان الوصل” الإخونجيان قبل عامين، ثم أعاد استخدامها وزير سابق ساهمت يوما بالإطاحة به، وكل ذلك بقصد إظهار صورتي كنائب معاد للدين .. والواقع فقد دعا بعض النواب إلى استبدالها بمادة الأخلاق، وبعضهم دعا إلى دمج الإسلامية والمسيحية في منهاج واحد .. أما أنا فقد طرحت تدريس تاريخ الأديان والمذاهب في سورية منذ بحث الإنسان السوري عن الخالق قبل آلاف السنين وصولا إلى الدين الإسلامي الحنيف، كي تتعمق معارف السوريين بمجموعاتهم الدينية ويتقنون التعامل مع بعضهم بدلا من تبادل التكفير الذي كان سلاح المجموعات الإرهابية .. وقد بدأت بالتعاون مع مركز دمشق للأبحاث ووزارة التربية لتطوير مناهج التربية الدينية المسيحية والإسلامية. وقدمنا قبل عام دراسة من 400 صفحة حول “تحليل محتوى مضمون مناهج التربية الدينية الإسلامية والمسيحية ـ نقاط القوة والضعف”.. وقد شكرتنا الوزارة على هذا الجهد وقالت أنها أفادت منه في تطوير المنهاج.. فنحن نرى أن الدين هو ماء الشعب الذي يسبح فيه وقد تعكر هذا الماء حتى اصطدمت كائناته مع بعضها بفعل الحرب، وعلينا أن نعيد إليه صفاءه من أجل وضوح الرؤية..والبقية في كلام لاحق.

نبيل صالح

طباعة طباعة

مواضيع متعلقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

آخر الأخبار

فيس بوك