17/ 08 /2022
1:37صباحًا


قروض المسحوقين في خدمة الحيتان

قروض المسحوقين في خدمة الحيتان

الحقيقة

تتوالى القروض «السخية» المطروحة من «الفريق الاقتصادي الحكومي» للسوريين. لا تفهموا الأمر بطريقة خاطئة، فالقروض هنا لا تعني الأموال، بل هي عبارة عن سلع استهلاكيّة يشتريها المقترض من «السوريّة للتجارة»، ويسدد أثمانها بالتقسيط.

من أين تتسوّق «السوريّة» بضائعها؟ من القطاع الخاص طبعاً، ومن عدد محدود من التجار ورجال الأعمال، تتعاقد معهم لتبيع بضائعهم بـ«سعر السوق».

هكذا، سيتمكن الموظف المؤهّل للحصول على «قرض المونة» مثلاً من الحصول على 300 ألف ليرة، على شكل سلع غذائية تبيعها شركات خاصة في «سوبر ماركت» موحّد في كل البلاد! الأمر نفسه يتكرر في «قرض القرطاسية»، و«قرض الشتاء»، و«قرض العيد»، إلى ما هنالك من القروض التي تصبّ في خانة واحدة: تسويق بضائع بعض رجال الأعمال، عن طريق مؤسسات الدولة! لا نعرف لماذا لا يحقّ لمستحقّ القرض أن يقبضه نقداً، ويختار الشراء من حيث يشاء.

قد تبدو هذه الحصرية في تسويق بضائع «السورية» مناسبة لو كانت المنتجات للقطاع العام، سيكون من المنطقي أن تبيع الدولة منتجاتها بهذه الطريقة، أما أن تتحول إلى مسوّق لمنتجات التجار ومن دون أي دعم على السعر ولا حتى تخفيضات؛ فهذه «خدمة» جديدة تنضم إلى قائمة الخدمات غير المنتهية التي يحظى بها بعض أصحاب الحظوة من أهل المال.

فإذا انتقلنا إلى القروض الصناعية، سنقف على مشهد يُكمل سلسلة وضع العصي في عجلات الصناعيين. فالصناعي الذي تسوّل له نفسه ترميم مصنعه، أو إعادة تجهيزه، لن يستطيع الحصول على قرض، إلا بضمانات لا تمتّ إلى صناعته بصلة.

عليه أن يرهن بيته (وبيوت بعض أقربائه ربما) ولو كان الهدف من الاقتراض شراء آلات! لماذا؟ لأن الرهن العقاري هو الضمان الوحيد المقبول. لا نعلم ما الذي يحول دون قبول الرهن الصناعي، يبدو أن الدافع هو السعي إلى استحواذ البنوك على أكبر قدر ممكن من العقارات السكنية وتفعيل المضاربة؟ في الواقع، سيبدو الأمر مفهوماً عندما نقرأ قائمة المسموحات الاستثمارية للبنوك وشركات التطوير العقاري وشركات التأمين. الاستثمار المسموح الوحيد تقريباً، للسيولة الضخمة التي تكتنزها هذه القطاعات، هو العقار (فلتضاربوا بأسعار العقارات، وليضرب المواطن رأسه بأقرب حائط، إن وجد بسهولة حائطاً سليماً).

ماذا عن القروض الزراعية؟ مُتاحة وتبدأ بـ150 ألف ليرة، وصولاً إلى المليون (1500 دولار!). هل يكفي هذا القرض ثمن جرّار مثلاً؟ أم يستغلّه لشراء السماد وفق أسعار الدولار الأسود؟ فالسماد ليس من مرغوبات الاستيراد حالياً، ولا يتم تمويله وفق سعر الصرف الرسمي، ليضطر التاجر إلى استيراده ودفع ثمنه بـ«الدولار الأسود»، وصديقنا الفلاح هو آخر السلسلة، وحلقتها الأضعف.

طبعاً، لا يحول كل ما تقدّم بين القائمين على «الاقتصاد الوطني»، وبين دعوة السوريين إلى دعم الليرة بين وقت وآخر.
نعم، المواطن نفسه، الباحث عن «قرض مونة»، و«قرض سماد» مطالبٌ بدعم الليرة.

الموظف نفسه، الذي يحتاج إلى ما يعادل راتب عام كامل ليشتري قبراً «يستره» في حال وفاته!

يبدو أن أفضل ما يمكن القيام به اليوم لدعم السوريين، إطلاق مبادرة «دفن وقبر» بالمجان لكل مواطن. حتماً سيسعد بها الشعب؛ بعدما رأى أن أقصى ما تدعمه به حكومته في مواجهة العقوبات والحرب، هو قرض تجاري هدفه الحقيقي تسويق بضائع بعض رجال الأعمال الذين تم اصطفاؤهم بقدرة قادر.

نسرين زريق- الأخبار

1 تعليق
طباعة طباعة

مواضيع متعلقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

آخر الأخبار

فيس بوك